ابن ميثم البحراني
274
شرح نهج البلاغة
وعالم بها فلو حصل مع قدرته عليها إرادة وقوعها عن قدرته كان مجموعها مستلزما لوقوعها عنها ، وأمّا الكبرى فإنّه جعل مقدّمتها وهو فعله لتلك الأمور ملزوما لأمور خمسة : أحدها : أنّه كان يسقط البلاء : أي ذلك البلاء المشار إليه وهو بلاء المتكبّرين بالمستضعفين من أولياء اللَّه وهو ظاهر . إذ لا مستضعف يبتلون به إذن ، وذلك أنّ الأنبياء عليه السّلام كانوا ينقطعون إلى الدنيا حينئذ عن جناب اللَّه فينقطع عنهم الوحي كما سيشير إليه عليه السّلام وحينئذ ينقطع الابتلاء بهم وبما أتوا به من التكليف ، وكذلك يسقط بلاء الأنبياء بالفقر والصبر على أذى المسكنة من المكذّبين لهم بالضرب والقتل . الثاني : وكان يبطل الجزاء : أي جزاء العبادات والطاعات إمّا لسقوط البلاء بها أو لأنّ الطاعات إذن تكون عن رهبة أو رغبة فيسقط الجزاء الأُخرويّ عليها وكذلك يبطل جزاء الأنبياء الَّذي كانوا يسحقّونه بحسب فقرهم وصبرهم عليه . الثالث : وكان تضمحلّ الأنباء : أي الأخبار الواردة من قبل اللَّه تعالى على ألسنة رسله والوحي إليهم ، وذلك أنّك علمت أنّ الدنيا والآخرة ضرّتان بقدر ما يقرب من إحداهما يبعد من الأخرى ، والأنبياء عليهم السّلام وإن كانوا أكمل الخلق نفوسا وأقواهم استعدادا لقبول الكمالات النفسانيّة كما أشرنا إليه إلَّا أنّهم محتاجون أيضا إلى الرياضة التامّة بالإعراض عن الدنيا وطيّباتها وهو الزهد الحقيقيّ ، وإلى تطويع نفوسهم الأمّارة بالسوء لنفوسهم المطمئنّة بالعبادة التامّة كما هو المشهور من أحوالهم عليهم السّلام فإنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان يربط على بطنه الحجر من الجوع ويسمّيه المشبع لا لأنّه كان لا يقدر على شيء يأكله ، وكان يرقع ثوبه لا لعدم قدرته على ثوب يلبسه ، وكان يركب الحمار العاري ويردف خلفه لا لعجزه عن فرس يركبه وغلام يمشى معه ، وكيف وقد توفّى وبيده هذه القطعة العظيمة من المعمورة ، بل ذلك وأمثاله ممّا سيحكيه عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في آخر هذه الخطبة زهادة في الدنيا وإعراض عن متاعها وزينتها لأنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وجد من الكمالات العقليّة و